أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
59
نثر الدر في المحاضرات
كتب طاوس « 1 » إلى مكحول « 2 » : أما بعد ، فإنك قد أصبت بما ظهر علمك عند الناس منزلة وشرفا ، فالتمس بما بطن من عملك عند اللّه منزلة وزلفى ، واعلم أن إحدى المنزلتين ستزيد الأخرى والسلام . قال ابن المعتمر « 3 » : الناس ثلاثة أصناف : أغنياء ، وفقراء ، وأوساط ، فالفقراء موتى إلّا من أغناه اللّه بعزّ القناعة ، والأغنياء سكارى إلّا من عصمه اللّه بتوقّع الغير ، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط ، وأكثر الراحة مع الفقراء ، والأغنياء تستخفّ بالفقر من بطر الغني . قيل لحاتم : علام بنيت أمرك ؟ قال : على أربع خصال : علمت أنّ رزقي لا يأكله غيري فلم أهتمّ به ، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا مبادره ، وعلمت أني بعين اللّه في كل حال فاستحييت منه . قال بعض السلف : أنت في طلب الدنيا مع الحاجة إليها معذور ، وأنت في طلبها مع الاستغناء عنها مغرور . دخل سفيان الثوريّ على المهديّ وهو بمكة فقال له : حدثنا أبو عمران أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد اللّه الكلابيّ قال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرمي جمرة العقبة يوم النحر : « لا ضرب ، ولا طرد ، ولا إليك إليك » فقد رأيت الناس يضربون بين يديك . وجاء عن عمر بن الخطاب أنه أنفق في حجّة حجّها بضعة عشر دينارا وقال : ما أحسب هذا إلّا سرفا في أموال المسلمين ، وما أراك
--> ( 1 ) هو طاوس بن كيسان اليماني ، أبو عبد الرحمن ، من أكابر التابعين ، تفقها بالحديث وجرأة على وعظ الخلفاء ، توفي سنة 106 ه ( انظر : حلية الأولياء 4 / 4 ) . ( 2 ) مكحول الدمشقي : هو الحافظ أبو عبد اللّه مكحول بن عبد اللّه الشامي الفقيه ، عالم دمشق ، أصله من سبي كابل ، توفي سنة 116 ه ، صنّف : « كتاب السنن في الحديث » ، « كتاب المسائل في الفقه » . ( كشف الظنون 6 / 470 ، وانظر ترجمته أيضا في : تذكرة الحفاظ 1 / 101 ، حلية الأولياء 5 / 177 ، المعارف لابن قتيبة ص 452 ، الكواكب الدرية 1 / 303 ، البداية والنهاية 9 / 305 ) . ( 3 ) هو منصور بن المعتمر بن عبد اللّه السلمي ، أبو عتاب الكوفي الحافظ ، كان أثبت أهل الكوفة في الحديث ، توفي سنة 132 ه ( صفة الصفوة 3 / 62 ، الأعلام 7 / 305 ) .